الجنيد البغدادي

71

رسائل الجنيد

الكتاب ، شهدوا جميعا أن قلبي الذي جعله اللّه خزائن علمه وحكمته ومحل سره ومقر إلهامه على المبايعة والمساعدة ووافقني على القصد إلى اللّه تعالى وأن نقيم معه إلى الأبد وننفرد به طائعين له غير مكرهين ، وأخذت على قلبي عهد اللّه وميثاقه قد قبل مني هذه البيعة على هذه الشروط ، وإني قبلت هذه البيعة بالبراءة من الإعراض عن مقصودي ومحبوبي بالعطايا والنعم ، ولا بالبلايا والمحن أبد الآبدين . استحكمت البيعة بينا في هذا القصد إلى اللّه تعالى ومواصلته على ما بينت ، وذلك في ليلة صك النصف من شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة . فلما علمت النفس والهوى استحكام البيعة بيننا في القصد إلى اللّه تعالى وكمال مساعدة القلب وحسن موافقته في هذا الأمر ، وإني قد غلبتها على مرادها وصرت للّه عبدا منفردا على التحقيق وفرغت من شغلي نفسي ، وصرت منقطعا بالكلية مع الإياس عن كل ما سواه ، فعند ذلك طلقت النفس والهوى وجعلتهما تحت أمر العقل وسلطانه مقهورين ، وجعلت الروح والعقل مع أعوانهما تحت مراد القلب وأمره مغلوبين حتى صاروا مضطرين فيه بطلب المولى وصاروا مسرورين بنور معرفة القلب ، واطمأنوا بذكر اللّه وخدمته ، وصرت وحدي إلى ربي ، فلما علم اللّه منى صدق الإقبال إليه طرق لقلبي منهج الانتقال وسلك به طريق الانصراف إليه ، فأراه أعلام الاتصال به وأنزله على منزل الاتكال عليه ، وآتاه أعيان الاقتراب منه ، وسهّل له عقبة الاحتمال فيه ، ثم أدخله في قصور أنسه آمنا ، وأجلسه على سرير قربه مطمئنا ، ثم سقاه كأسا من محبته شرابا مريئا ، وأطعمه النجوى من كاسات السكينة بأيدي الصفوة وأنامل الحرمة ، ومضغ اللسان المواصلة ما دون الحق أكلا ومن أطيب رياحين الوصلة وياسمين القربة ونرجس المواصلة نسيما ومسك الملاطفة وعنبر التأييد والزوائد رائحا مشموما ، ثم بعد ذلك أحوالا وأوقاتا لا يصفه واصف غيره ، ولا يدركه أوهام العالمين ، وهي حالات المشاهدة وأوقات الرؤية والمواصلة ، فيالها من حالات ما أجلها وأعظمها ، ويا لها من أوقات ما أعزها وأشرفها ، يختص بها من يشاء من عباده ، وهو الحكيم العليم .